يستعرض الكاتب محمد السيد عيد في تقريره كيف غيّر انتشار المدن المسوّرة والعمارة الإقصائية ملامح الفضاء العام في مصر، موضحًا أن المساحات العامة لم تعد تؤدي دورها الاجتماعي التقليدي، بل تحولت تدريجيًا إلى أماكن تجارية تفرض على المواطنين الدفع مقابل الجلوس أو الاستمتاع بالمرافق العامة، وهو ما يعمّق الفوارق الاجتماعية ويحد من حرية استخدام المدينة.

 

وتنشر المنصة هذا التقرير الذي يناقش تأثير خصخصة الفضاء العام في القاهرة ومدن مصر الأخرى، مستندًا إلى أمثلة واقعية وتحليلات عمرانية، ليكشف كيف أسهمت السياسات الحضرية الحديثة في تحويل الحدائق والواجهات المائية والأرصفة والميادين إلى مساحات تخضع للاستهلاك والرقابة، بدلًا من كونها حقًا متاحًا للجميع.

 

العمارة الإقصائية تغيّر وظيفة الفضاء العام

 

يفتتح الكاتب التقرير بمشهدين متوازيين لرجلين يسيران في الفيوم والقاهرة بحثًا عن مكان بسيط للراحة بعد يوم عمل شاق، لكنهما يصطدمان بواقع واحد يتمثل في غياب المقاعد المريحة، وندرة الأشجار، وضيق الأرصفة، وسيطرة المقاهي على الواجهات العامة، حتى يصبح الجلوس أو الاستمتاع بالمكان مشروطًا بالشراء والدفع.

 

ويرى التقرير أن هذا الواقع يعكس مفهوم "العمارة الإقصائية"، وهو أسلوب تصميم يهدف إلى تقييد استخدام الأماكن العامة أو استبعاد فئات معينة منها. ويظهر ذلك في المقاعد غير المريحة، أو توزيعها بطريقة تمنع التجمع، أو تصميم المساحات بما يحد من بقاء الناس فيها لفترات طويلة، بحجة الحفاظ على النظام أو الأمن.

 

خصخصة المدينة تعمّق الفجوة الاجتماعية

 

يربط التقرير بين العمارة الإقصائية والفكر النيوليبرالي الذي ينظر إلى المدينة باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا أكثر من كونها مساحة للحياة المشتركة. وعندما تصبح الأرباح هي الأولوية، تتحول الحدائق والكورنيشات والساحات العامة إلى سلع تجارية، بينما يتراجع حق المواطنين في استخدامها بحرية.

 

ويشير الكاتب إلى أن هذا التوجه يؤدي إلى فصل الأحياء الثرية عن المناطق الأقل دخلًا، ويمنح أصحاب القدرة الشرائية امتيازات أكبر في الوصول إلى المساحات المفتوحة، في حين يجد محدودو الدخل أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم في الراحة أو التنزه دون مقابل.

 

تراجع المساحات الخضراء يهدد جودة الحياة

 

يلفت التقرير إلى أن خصخصة الفضاء العام لا تقتصر على المقاهي أو المشروعات التجارية، بل تمتد إلى الحدائق والمتنزهات التي شهد عددها تراجعًا خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع استغلال مساحات واسعة في أنشطة استثمارية. كما تعاني الميادين من انتشار الرقابة الأمنية، بينما تواجه الأرصفة تعديات مستمرة من المحال التجارية والمقاهي، ما يجعل السير الآمن تحديًا يوميًا للمشاة.

 

ويؤكد الكاتب أن التخطيط الحضري الجيد ينبغي أن يوفر أرصفة واسعة، وأشجارًا للظل، ومقاعد مريحة، ومسارات للدراجات، مع الحفاظ على أولوية حركة المشاة قبل تخصيص أي مساحة للأنشطة التجارية. ويخلص إلى أن فقدان أماكن الراحة والظل والأمان يحول الفضاء العام إلى امتياز لمن يستطيع الدفع، بدلًا من أن يبقى حقًا أساسيًا لجميع المواطنين، وهو ما ينعكس سلبًا على التماسك الاجتماعي وجودة الحياة داخل المدن.



https://manassa.news/en/stories/32481